الشنقيطي

305

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قالوا : كمن أعار سفينة وتوسط بها المستعير عرض البحر ، فلا يملك المعير ردها لتعذر ذلك وسط البحر . وقيل : له طلبها ، وتكون بالأجرة على المستعير ، والأول أرجح . وكالذي أعار أرضا للزرع ، وقبل أن يستحصد الزرع يطلبها صاحبها ، وهكذا . واللّه تعالى أعلم . حكم من جحد العارية إن حديث المرأة المخزومية مشهور ، وهو أنها كانت تستعير المتاع وتجحده ، فاشتهرت بذلك ، ثم إنها سرقت فقطعت في السرقة ، لا في جحد المتاع المستعار ، وهذا هو الأصح . لأن السرقة لا تكون إلا على وجه التخفي ومن حرز . والاستعارة خلاف ذلك ، وإنما تدخل في قوله تعالى : * إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [ النساء : 58 ] . وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « على اليد ما أخذت حتى تؤديه » « 1 » . وحديث « أدّ الأمانة لمن ائتمنك ، ولا تخن من خانك » « 2 » رواه أبو داود والترمذي ، وقال : حديث حسن . وهذا مجمل مباحث العارية ، وتفصيل فروعها في كتب الفقه أوجزنا منه ما يتعلق بمنع الماعون وعدم جواز منعه ، وما يتعلق ببذله ، وباللّه تعالى التوفيق . تنبيه في هذه السورة بيان منهج علمي يلزم كل باحث ، وهو جمع أطراف النصوص وعدم الاقتصار على جزء منه ، وذلك في قوله تعالى : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ [ الماعون : 4 ] ، وهي آية مستقلة ، ولو أخذت وحدها لكانت وعيدا للمصلين . كما قال الشاعر الماجن في قوله : دع المساجد للعباد تسكنها * وسر إلى خانة الخمار يسقينا ما قال ربك ويل للألى سكروا * وإنما قال ويل للمصلينا

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) سبق تخريجه في الجزء الثاني .